غزة/ سماح المبحوح:
تحت لهيب رصاصات جنود الاحتلال الإسرائيلي العشوائية تعيش أم عبد الله عسلية في مخيم حلاوة للنازحين في بلدة جباليا شمال قطاع غزة، واقعاً يومياً مثقلاً بالخوف والخطر، بعد أن حولت تلك الرصاصات حياتها إلى جحيم لا يطاق.
فمخيم حلاوة، الذي يضم 1870 أسرة نازحة، والواقع على مقربة مما يُعرف بـ "الخط الأصفر"، بات الملاذ ومكان الإيواء الوحيد المتاح أمام "عسلية" وأفراد عائلتها الخمسة لبدء حياة جديدة داخل خيمة نصبوها داخله بعد تدمير منزلهم.
أمام خيمتها تقف "عسلية" تارة تراقب السماء وتارة تراقب أطفالها الصغار وهم يلعبون، خوفا من رصاصة تباغتهم فتسقطهم أرضا مضرجين في دمائهم، إذ تواجه وسكان المخيم تهديداً دائماً على مدار الساعة، وسط حوادث متكررة من القتل والإصابة، تجعلهم أشبه بأهداف حيّة في مرمى نيران الاحتلال الإسرائيلي، وفق قولها
لا مكان بديل
وتضيف لـ "الاستقلال":" حاولنا الانتقال من المخيم إلى وسط مدينة غزة، لمكان أكثر أمان ننصب فيه خيمتنا بعيدا عن مرمى نيران الاحتلال، فبحث زوجي طويلا، لكن دون جدوى، فالمدينة مليئة بالخيام ولا مكان شاغر فيها، فبقينا بالمخيم والخطر يحيط بنا".
وتتابع:" تقاس حياتنا بالمخيم الذي تحول لساحة مفتوحة للخطر، بعدد الساعات التي تمر دون إصابة أو فقدان جديد، بعد سقوط عدد من المصابين والشهداء من المخيم بشكل شبه يومي".
نصبت بشكل عشوائي وأخرى منظمة في مخيمات بعيدة عن "الخط الأصفر" تفتقر لأبسط مقومات الحياة، تعيش آلاف العائلات الغزية واقعا إنسانيا قاسيا، بعد أن دمر الاحتلال الإسرائيلي منازلهم. داخل خيام قماشية مهترئة
ويعد مخيم حلاوة للنازحين أحد أكبر مخيمات الإيواء شمال القطاع، ويقع في منطقة جباليا البلد، ويبعد عن "الخط الأصفر" نحو 2 كلم، ويضم مئات العائلات الفلسطينية النازحة وأصحاب المنازل المدمرة في جباليا.
وقبل أيام نظم نازحو المخيم وقفة احتجاجية ضد تصاعد عمليات إطلاق النار اليومي التي تطالهم داخل المخيم رغم وقوعه خارج "الخط الأصفر"، متسببا بسقوط شهداء وجرحى بينهم.
يشار إلى أن الخط الأصفر يمتدّ على طول قطاع غزة بعمق يتراوح بين كيلومترين و7 كيلومترات، ويبتلع نحو 52% من مساحة القطاع عبر تصنيفها مناطق قتال خطرة خاضعة لسيطرة الجيش الإسرائيلي، لكن مع ذلك عمد الاحتلال إلى توسيع نطاق الخط بنحو 300 متر داخل الأحياء محاصرا مزيدا من العائلات وحارما أخرى أرضها ومنازلها.
خطر دائم
النازح في مخيم حلاوة وأحد أعضاء الإدارة إبراهيم المطوق أكد أن المئات من العائلات في المخيم يعيشون واقع صعبا للغاية، بفعل الخطر التي تشكله رصاصات الاحتلال الإسرائيلي التي تُطلق بشكل عشوائي، وتصيب عددا منهم.
وشدد المطوق في حديثه لـ "الاستقلال" أن قوات الاحتلال الإسرائيلي المتمركزة على جبلي الريس والكاشف تطلق نيران رشاشاتها بشكل عشوائي تجاه المخيم والمناطق المحيطة فيه، فيسقط عدد من الشهداء والمصابين بشكل شبه يومي.
وبين سقوط شهيد وإصابة 12 نازح من المخيم خلال الشهر الجاري- حتى اعداد التقرير-، وإصابة 4 نازحين خلال الشهر الماضي، كما سقط 3 شهداء وإصابة 5 خلال شهر فبراير.
وأشار إلى أن 1870 عائلة نازحة في مخيم حلاوة يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، جعلهم الاحتلال الإسرائيلي في خطر دائم.
واقع مأساوي
وفي 19 نيسان/أبريل الجاري، استشهد الشاب خليل نصر (24 عاماً) متأثراً بإصابته برصاصة في الرأس، بعد نقله إلى المستشفى الأهلي العربي "المعمداني" شرق غزة، وسبقه بأيام استشهاد الطفل أدهم حلاوة (13 عاماً) ثر إصابته برصاصة في الرأس أثناء تعبئة المياه ليلاً، فيما أصيب آخرون في حوادث إطلاق نار داخل المخيم.
ومنذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 11 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، استُشهد 784 مواطنًا وأُصيب 2,214 آخرون، لترتفع حصيلة العدوان الإسرائيلي منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 إلى 72,560 شهيدًا، و172,317 إصابة.
ووفقًا لتقارير الأمم المتحدة، يعيش النازحون في قطاع غزة أوضاعًا إنسانية بالغة القسوة نتيجة النزوح الواسع والمتكرر وتدمير البنية التحتية، فقد أُجبر أكثر من 1.9 مليون فلسطيني، أي ما يزيد على 90% من سكان القطاع، على النزوح من منازلهم، كثير منهم عدة مرات، في ظل غياب أماكن آمنة يلجؤون إليها.
ويقيم عشرات الآلاف في مراكز إيواء مكتظة، بينها مدارس تديرها وكالة الأونروا، حيث يُقدَّر أن نحو 67 ألف نازح يعيشون في عشرات الملاجئ الجماعية وسط نقص حاد في الغذاء والمياه والخدمات الأساسية.
كما تشير الأمم المتحدة إلى أن ظروف النزوح تتسم بالاكتظاظ الشديد، وانتشار الفقر والأمراض، وتدهور الخدمات الصحية، فضلًا عن آثار نفسية عميقة، خاصة على الأطفال الذين يعيشون في بيئة غير مستقرة تفتقر لأبسط مقومات الحياة الكريمة.


التعليقات : 0